محمد جواد مغنيه
192
الجوامع والفوارق بين السنة والشيعة
التبليغ بالقسر لا بالاختيار ، ودليلنا على ذلك : أولا : إنها في تبليغ الأحكام عن اللّه ، لا في امتثالها . ثانيا : إن النبي في هذه الحال هو لسان اللّه وبيانه . ولسانه تعالى يستحيل عليه الخطأ . ثالثا : إن ظاهر القرآن يدل على ذلك ، قال تعالى في سورة الأعلى مخاطبا نبيه الكريم : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى و « لا » هنا للنفي والإخبار ، لا للنهي والإنشاء ، لأن المعنى نحن نقرئك القرآن يا محمد ، ونحفظه في قلبك وعلى لسانك بكامله بحيث لا تنسى منه حرفا واحدا ، وإلى هذا يومئ قوله تعالى : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [ القيامة - 17 ] وقوله : نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ الحجر - 9 ] . النوع الثاني : العصمة في امتثال الأحكام بحيث يفعل المعصوم الواجب مع قدرته على تركه ، ولا يفعل المحرم مع قدرته على فعله . . . أبدا لا يفعل هذا ، ولا يترك ذلك ، لا عمدا ولا جهلا ولا سهوا . وهذه العصمة ممكنة ، بل هي ثابتة لأهلها ، ما في ذلك ريب . أين هو المعصوم : وتسأل : قد يوجد إنسان يعرف حدود اللّه وحلاله وحرامه ، ويلزم بها نفسه ، ولا يتعمد المعصية في قول أو فعل ، ولا يقصر في فريضة بل ولا في سنّة . . . ولكن : هل يوجد إنسان واحد يستحيل في حقه الخطأ بما هو إنسان بحيث لا يخفى عليه مكر ولا خديعة ، ولا يجوز عليه سهو ولا نسيان ؟ . . . كيف وهو ابن الأرض والطبيعة . . . حتى سيد الأنبياء ( ص ) قال : إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ [ فصلت - 6 ] ونحن نؤمن بعصمته في التبليغ ، أما في غيره فهو كما وصف نفسه ، وإن قال قائل : إن العصمة بالطبيعة أو بالقسر قلنا له : إذن لا فضل بها ولا أجر عليها . الجواب : إن الإنسان بما هو إنسان ليس بمعصوم ، وأيضا لا تأتيه العصمة بالكسب والعمل ، كما هي شأن العدالة ، ومن هنا أسقط سبحانه التكليف عن الجاهل والناسي مع التحفظ وعدم التقصير . . . وأيضا لا تكون العصمة في امتثال الحلال والحرام بالجبر والإلجاء ، حيث لا طاعة ولا امتثال